ابن عجيبة
317
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ أي : وكم من دابة من دواب الأرض ، عاقلة وغير عاقلة ، لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ؛ لا تطيق أن تحمله ؛ لضعفها عن حمله ، اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ أي : لا يرزق تلك الدواب الضعاف إلا اللّه ، ولا يرزقكم أنتم أيها الأقوياء إلا اللّه ، وإن كنتم مطيقين لحمل أرزاقكم وكسبها ؛ لأنه لو لم يخلق فيكم قدرة على كسبها ؛ لكنتم أعجز من الدواب . وعن الحسن : لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا : لا تدخره ، إنما تصبح خماصا « 1 » ، فيرزقها اللّه . وقيل : لا يدخر من الحيوان قوتا إلا ابن آدم والفأرة والنملة « 2 » . وَهُوَ السَّمِيعُ لقولكم : نخشى الفقر والعيلة إن هاجرنا ، الْعَلِيمُ بما في ضمائركم من خوف فوات الرزق . ثم ذكر دلائل قدرته على الرزق وغيره فقال : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ أي : المشركين وغيرهم مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ على كبرهما وسعتهما ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يجريان في فلكهما ، لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ؛ لا يجدون جوابا إلا هذا ، لإقرارهم بوجود الصانع ، فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ؛ فكيف يصرفون عن توحيد اللّه ؟ مع إقرارهم بهذا كله ، إذ لو تعدد الإله لفسد نظام العالم . اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ هاجر أو أقام في بلده ، وَيَقْدِرُ لَهُ ؛ ويضيق عليه ، أقام أو هاجر ، فالضمير في لَهُ لمن يشاء ؛ لأنه مبهم غير معين ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ؛ يعلم ما يصلح العباد وما يفسدهم ، فمنهم من يصلحه الفقر ، ومنهم من يفسده ، ففي الحديث القدسي : « إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى ، ولو أفقرته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر ، ولو أغنيته لأفسده ذلك » « 3 » . ذكره النسفي . وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ؛ معترفين بأنه الموجد للكائنات بأسرها ، أصولها وفروعها ، ثم إنهم يشركون به بعض مخلوقاته الذي هو أضعف الأشياء . قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على إظهار قدرته ، حتى ظهرت لجميع الخلق ، حتى أقرت بها الجاهلية الجهلاء . أو : على ما عصمك مما هم عليه ، أو : على تصديقك وإظهار حجتك ، أو : على إنزاله الماء لإحياء الأرض ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ؛ لا عقول لهم ، فلا يتدبرون فيما يريهم من الآيات ويقيم عليهم من الدلالات . واللّه تعالى أعلم .
--> ( 1 ) « خماصا » جياعا ، جمع خميص . ( 2 ) قاله سفيان فيما ذكره البغوي في تفسيره ( 6 / 53 ) . ( 3 ) أخرجه الديلمي ( مسند الفردوس ح 8098 ، 8100 ) من حديث عمر ، وأنس - رضى اللّه عنهما .